محمد بن جرير الطبري

543

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : " وما لكم " أيها المؤمنون = " لا تقاتلون في سبيل الله " ، وفي " المستضعفين " ، يقول : عن المستضعفين منكم = " من الرجال والنساء والولدان " ، فأما من " الرجال " ، فإنهم كانوا قد أسلموا بمكة ، فغلبتهم عشائرهم على أنفسهم بالقهر لهم ، وآذوهم ، ونالوهم بالعذاب والمكاره في أبدانهم ليفتنوهم عن دينهم ، فحضَّ الله المؤمنين على استنقاذهم من أيدي من قد غلبهم على أنفسهم من الكفار ، فقال لهم : وما شأنكم لا تقاتلون في سبيل الله ، وعن مستضعفي أهل دينكم وملتكم الذين قد استضعفهم الكفار فاستذلوهم ابتغاء فتنتهم وصدِّهم عن دينهم ؟ " من الرجال والنساء والولدان " = جمع " ولد " : وهم الصبيان = " الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها " ، يعني بذلك أن هؤلاء المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ، يقولون في دعائهم ربَّهم بأن ينجييهم من فتنة من قد استضعفهم من المشركين : " يا ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها " . * * * والعرب تسمي كل مدينة " قرية " = يعني : التي قد ظلمتنا وأنفسَها أهلُها = وهي في هذا الموضع ، فيما فسر أهل التأويل ، " مكة " . * * * وخفض " الظالم " لأنه من صفة " الأهل " ، وقد عادت " الهاء والألف " اللتان فيه على " القرية " ، وكذلك تفعل العرب إذا تقدمت صفة الاسم الذي معه عائد لاسم قبلها ، ( 1 ) أتبعت إعرابها إعرابَ الاسم الذي قبلها ، كأنها صفة له ، فتقول : " مررت بالرجلِ الكريمِ أبوه " . * * * = " واجعل لنا من لدنك وليًّا " ، يعني : أنهم يقولون أيضًا في دعائهم : يا ربنا ، واجعل لنا من عندك وليًّا ، يلي أمرنا بالكفاية مما نحن فيه من فتنة أهل الكفر بك =

--> ( 1 ) في المخطوطة : " الذي معه عادر لاسم قبلها " ، وهو سهو من الناسخ ، صوابه ما في المطبوعة .